عرض مشاركة واحدة
قديم 06-19-2008, 01:05 PM   رقم المشاركة : ( 1 )
الشريف محمد بن عبدالله العبدلي
ممثل الرابطه الرسمي باستراليا

الصورة الرمزية الشريف محمد بن عبدالله العبدلي

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 2459
تـاريخ التسجيـل : Jun 2008
العــــــــمـــــــــر : 35
الـــــدولـــــــــــة : SYDNEY
المشاركـــــــات : 1,271 [+]
آخــر تواجــــــــد : 07-13-2016(09:22 AM)
عدد الـــنقــــــاط : 20
قوة التـرشيــــح : الشريف محمد بن عبدالله العبدلي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الشريف محمد بن عبدالله العبدلي غير متواجد حالياً

افتراضي للتاريـخ[إنصاف الهاشميـين]

الأمير عبد الاله ــ الصورة القلمية - د. سيار الجميل

مهما اختلف الناس في الحكم علي بعض الاوضاع، ومهما تجنت الاغلبية ام الاقلية علي زعيم او زعماء مرحلة، ومهما غالي الساسة والمؤرخون في تقييم اي تاريخ، ومهما كثر القيل والقال في الضد، فان الحقائق هي التي تفرض نفسها في نهاية المطاف، ذلك ان الانسان قد يخطئ ويصيب.. لقد كانت الصفحة التاريخية للامير عبد الاله الوصي علي عرش العراق 1939 ــ 1952 ولما تزل متشحة بالسواد الداكن والكراهية عند الغالبية العظمي من الناس. ومن عادات اولئك الناس انهم ان سمعوا شيئا صدقوه وان تربوا علي امر اشاعوه، وان ظنوا سوءا فيا ضياع الحقيقة وبئس الظنون. نعم، بقيت صورة عبد الاله في المخيلة العراقية والعربية، صورة في غاية البشاعة ولا تفترق في حياتها عن مماتها.. وكانت النهاية التي انتظرت عبد الاله في شوارع بغداد مأساوية وتراجيدية ومؤلمة بكل المقاييس والاعتبارات. وها قد مضت عقود من السنين عليها، كي نسمع اصوات الذاكرة التاريخية من هنا او هناك تنصف هذا الرجل الامير الذي كان يمتلك حدسا واضحا في قراءة نهايته البشعة، اذ كان قد صرح لاكثر من مرة: نحن نقتل.. لا اريد ذرية.. نحن نقتل.. ولكن الهاشميون سيبقون.. (ص 63).

الصورة القلمية ــ ذكريات مختزلة

سمعت بالصورة القلمية التي نشرها الاستاذ عطا عبد الوهاب مؤخرا عن الامير عبد الاله، فرغبت في قراءتها وكنت اتمني علي الرجل منذ عهد بعيد ان ينشر مذكراته لما الفناه فيه وما كنت قد سمعت عنه من والدي ــ رحمه الله ــ باعتبارهما من رجال القانون في العراق ابان عهد مضي وانقضي.. وانا لم التق به ولم اتعرف عليه، نعم سمعت عنه كل خير من الاستقامة والنزاهة وصدق القول وأفق التفكير المتمدن الواسع، وكان قريبا جدا من الامير عبد الاله بحكم وظيفته في الديوان الملكي.. قرأت كتيبه الصغير الذي عنونه بـ الامير عبد الاله صورة قلمية فأعجبني فيه ما عرضه من حقائق عن رجل حكم العراق لسنوات طوال وقد اظهر باختصار ما له وما عليه، ولعمري انها مهمة شاقة في كتابة المذكرات السياسية، علما بان الرجالات العراقيين من كبار الساسة والمثقفين قد تميزوا بالحجم الوفير من كتابة تلك المذكرات التي تعكس من دون شك ثقل الاحداث التاريخية وقوة اولئك الرجال المحدثين الذين أنجبهم العراق في القرن العشرين بشكل كبير مقارنة بغيرهم من الرجالات.
لقد كتب العدد الكبير من الساسة والمثقفين العراقيين في مذكراتهم وكتبهم عن الامير عبد الاله، واختلفوا في شأنه وتقييمه اختلافا كبيرا، واذا كان رجال العهد الملكي القديم من اليمينيين قد كتبوا عنه من منطلقات عاطفية الي حد كبير، واذا كان معارضوه من الجمهوريين الراديكاليين والليبراليين والاشتراكيين قد سودوا صفحاته، اذ كانت ولم تزل صورته قائمة في الاذهان.. فان بعضاً من المثقفين والمختصين العراقيين بدأ ينصفه ويعلن بكل شجاعة عن معلومات وافكار وانطباعات كانت غائبة او محتجبة عن الملأ.. لقد تذكرت وانا اقرأ الصورة القلمية ما كتبه عن عبد الاله العديد من الساسة والكتاب بدءا ــ خليل كنه وعلي جودت وتوفيق السويدي وغيرهم وصولا الي فالح حنظل وعبد الهادي الخماسي وعطا عبد الوهاب.. لكن اول من جعلني افكر باعادة قراءة تاريخ عبد الاله هو شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري عندما وجدته ينصفه في مذكراته للتاريخ والحقيقة.
يتساءل المرء وخصوصا أبناء الجيل الجديد الذين يتعطشون اليوم لقراءة تاريخهم القريب: هل كان عبد الاله يستحق فعلا تلك النهاية المأساوية في صباح الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 عندما سحلت جثته في شوارع بغداد ومثل بها وشنع بأوصالها وعلقت في اكثر من مكان بعد ان نالتها السكاكين وقطعتها إربا إربا؟ وهل يستحق ذلك الانسان ان تقطع اعضاؤه وترسل ابهامه لتعرض علي الرئيس جمال عبد الناصر فيشمئز الرجل من منظرها؟ ان الصورة القلمية ومن قبلها مذكرات واستشهادات اخري تكشف عن هوية زعيم من نوع خاص، كما وانها تكشف ايضا عن طبيعة انسان لم يكن ابدا بالحجم الذي صور من البشاعة والاسفاف!

الملك فيصل الثاني وخاله الامير عبد الاله
كان عبد الاله انسانا كئيبا منذ نعومة اظفاره وكان يحب العزلة والانفراد والانطواء.. وبدا انه يحب ابن اخته الملك الطفل حبا جما وتولي تربيته كأب حنون ليؤهله للملك.. معني ذلك: انه لم يكن طامعا البتة في العرش وكان زاهدا في حكم العراق، اذ كان يفتخر بفيصل الثاني كابن له يسعي لتزويجه بعد ان ينتقل الي قصره الجديد، ويأتيه ولي للعهد بعد ثلاث سنوات علي الاكثر وهي خطة رسمها عبد الاله كي يغادر بعدها السلطة (ص 64).. يقول الاستاذ عبد الوهاب بعد ان راقب تصرفاته من بعيد، وأحصي عليه حركاته وسكناته: كان الرجل قوي الملاحظة كثير السؤال، محبا للنقاش، فلم تكن ترضيه اجوبة المحيطين به من الكبار (س 27).
ويتابع وصفه في مكان آخر قائلا: الامير رجل، ذكي ذكاء البداوة الخارق وقد صقلته مدنية الحياة العصرية، محب للخدمة، مرهف الحواس، خبير باوزان الناس، مشجع للرأي المخالف النزيه وقد يأخذ به اذا اقتنع، ويحس انه أدي الامانة علي احسن وجه وانه يشرف علي نهاية الشوط.. وقد لمست فيه ان اشد ما يحز في قلبه ما يذكره بالنكران لخدماته العامة وما يبلغه من اشاعات كاذبة تلوكها الالسن عنه.. (ص 68) كان يذكر دوما ايام طفولته بالحجاز ويؤمن بالقدر خيره وشره، وكان حساسا تترقرق الدموع في عينيه كلما ذكر اخته الملكة عالية. اما ابن اخته الملك فيصل الثاني فيكتب عنه صاحب المذكرات قائلا: لم يكن الاختبار صعبا بالنسبة للملك، فقد كشفته شابا متعلما ذكيا، دمثا، بسيطا، سريع البديهة، متفتح الذهن، وممتلئا بآمال الخدمة العامة من دون جعجعة مع هوايات متعددة كالرياضة بانواعها والمطالعة في فروع معينة وغيرهما. انه باختصار فتي يدخل القلب رأسا، وقد عجبت من نفسي كيف ان حقيقته البينة للعيان تخالف تماما ما تلوكه الاشاعات عنه فترميه بالغباء وانعدام الشخصية والعجز.. (ص 27). وفي مكان آخر نسمع وصفا اضافيا عن الملك: فتي مهذب، مثقف واسع الاطلاع، حاد الذكاء، سريع النكتة، عف اللسان، ملم بشؤون البلاد ولا سيما في حقل الاعمار رقيق الحاشية، مفتوح الذهن، ويرحب بالمناقشة من دون ان يشعر احدا بكبر او بتجبر او سطوة او تعال، ويفرض احترامه علي الجميع ببساطة وتواضع ومن دون قصد او جهد. كان يبدو لي علي امثل ما يمكن ان يكون عليه الملك الدستوري في العصر الحديث.. (ص 68). اما عائلته فكانت بسيطة في حياتها، ام عبد الاله الملكة نفيسة مكللة بالسواد دائما وتسبح بذكر الله واخته الاميرة عابدية مكللة ايضا بالسواد دائما ولا تعرف من شؤون الدنيا الا العناية براحة الملك وراحة الاخرين كربة بيت مثالية رفيعة الخلق وبسيطة ومتواضعة.. (ص 67) وقد قتل الجميع عند اعتاب قصر الرحاب صبيحة الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958.

مواقف وانطباعات عن الامير عبد الاله
ستبقي الاجيال القادمة في المستقبل تبحث عن بدائل مخفية لقناعات ترسخت في الاذهان علي امتداد القرن العشرين عن رجال وساسة ربما شوهت سمعتهم ونيل من سلوكهم وتفكيرهم لاسباب سياسية لا تمت للحقيقة التاريخية بطرف.. وأعرض في ادناه ثمانية من الانطباعات والمعلومات التي اقسم صاحب المذكرات واشهد الله بانها صحيحة (ص 114) عن اناس لم يجد فيهم الا طيب الشمائل (ص 110).

1 ــ يجيب عبد الاله بعد ان سمع من يصفه امامه بانه لئيم لو كنت لئيما ما وافقت علي اعادة جماعة الكيلاني المشتركين في حوادث 1941 الي الوزارة امثال علي محمود الشيخ علي ومحمد علي محمود ومحمد حسن سلمان وموسي الشابندر. (ص 28 ــ 29) وينفي الاستاذ عطا في صورته القلمية اية علاقة للامير بمصرع الملك غازي عام 1939 بناء علي استبطانه جملة من الخفايا التاريخية في حياة الرجل (ص 86 ــ 87).
2 ــ يقول عبد الاله بعد ان أصغي للسويدي الذي تكلم عن كتاب ينصف هارون الرشيد: الظاهر ان التاريخ مليء بالتحريف، ويا حبذا لو يصدر ايضا كتاب ينصف السلطان عبد الحميد، فهو ايضا مظلوم.. (ص 42) وهنا يبدو لنا نحن معشر المؤرخين ان عبد الاله قد سبق غيره في الدعوة لانصاف السلطان عبد الحميد الثاني!
3 ــ سئل عبد الاله: من من رؤساء الديوان الملكي السابقين كان الافضل؟ فقال بلا تردد: رستم حيدر في عهد الملك فيصل الاول ورشيد عالي الكيلاني في بداية وصايتي. ثم اضاف: وانا اقول هذا عن رشيد وبيني وبينه خلاف تاريخي.. (ص 58).
4 ــ سئل عبد الاله: انه ربي جلالة الملك مدة اربع عشرة سنة تربية حسنة الي ان تولي العرش، وانه يساعده في تحمل مسؤولياته الي ان يتم له الالمام بجميع الامور وبشكل واسع ، وانه ينوي ان يتقاعد ويغادر العراق. ولم يكن متحمسا لاي من الاقتراحات المعروفة (ومنها: سفير العراق في واشنطن، رئيس منظمة للشباب يتولي انشاءها مفتش للجيش كونه يحب الجيش ويعتز بابرز رجاله، وقد ساهم في بنائه وتطويره وتسليحه واعلاء شأنه..) (ص 61).
5 ــ مغادرة عبد الاله حفل عشاء في قصر مضيفه في هونغ كونغ ومغادرته للقصر مع كامل اعضاء وفده ونومهم في فندق من الدرجة الثالثة في ثلاث غرف بسبب دعوة بعض اليهود الي ذلك الحفل.. . ووجدت الامير يحتقن وجهه وتلتمع في عينيه الدموع، كأنه رمز منحوت لحزن خرافي ينبض بالتمرد. وقبل ان اسأله قال: تصور انا حفيد الحسين يأخذونني الي هناك ولا يقولون لي ان اليهود من بين الحاضرين (ص 78).
6 ــ يصوم عبد الاله شهر رمضان، ويبدو انه يختار له ولاسرته مكانا غير بغداد كالحبانية شتاء وسرسنك صيفا.. يصوم عن ايمان بالله، فيقوم الليل، ويختم القرآن مرتين يهدي الختمة الاولي لوالده الملك علي والثانية لروح شقيقته الملكة عالية.. ويستطرد صاحب المذكرات قائلا: وتذكرت ما كنا نعتقده في شبابنا عندما كنا نسمع ان الوصي غادر الي سرسنك ليصوم رمضان، فنرميه بكل ما حرم الله من اشاعات مغرضة كانت تروج في المقاهي رواجا عجيبا (ص 82).
7 ــ كان عبد الاله يسوق سيارته المكشوفة في بغداد وبصحبته صاحب المذكرات من دون اي حرس ومروا بشارع الصالحية، فمرت سيارة اجرة بجانبهم تحمل عددا من النسوة بعباءاتهن فعرفن الامير فأخذن يزغردن في الاعالي والسيارة تتمهل.. فالتفت الامير الي وقال: من اصدق؟ اصدقهن ام اصدق راديو صوت العرب ؟ (ص 90).
8 ــ كان عبد الاله يصرح مرارا: اذا كانوا (العراقيون) لا يريدوننا هنا فنحن نذهب كما جئنا. نذهب بانفسنا. لا نحمل شيئا كما جئنا. وقد من الله علينا هنا بالملك وسعة العيش. وخدمنا البلد حسب اجتهادنا وطاقتنا. اذا كانوا لا يريدوننا نذهب. وانا استطيع ان اعمل ولو كحمال لكي اعيش بكرامة .
ويشير بيده الي اعلي الجدار حيث خطت الآية الكريمة: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء.. (ص 96).
واخيرا فهذه كلمة للتاريخ عن سيرة زعيم حكم العراق واسمه الامير عبد الاله.. اضعها امام الناس من اجل مقاربة حقائق التاريخ والكشف عن المزيد من معلوماته التي خفيت عن اعينهم زمنا طويلا، واعتقد ان خطأ ارتكبه رجال ذلك العهد ذلك انهم لم يؤسسوا لهم اجهزة دعاية كافية تلهج بذكرهم ليل نهار! كما وكان علي عبد الاله ان يترك الملك يعتمد علي ابناء الجيل الجديد في الممارسات السياسية.. عسي تجد المعلومات التاريخية اليوم في اجيال اليوم من يقرأها ليقارنها بما هو مسجل ومدون من اراء وافكار ومعلومات مخالفة في ذاكرتهم وليحكم التاريخ بعد ذلك حكمه علي الناس.
  رد مع اقتباس